علي بن أحمد المهائمي
24
تفسير القرآن ( تبصير الرحمن وتيسير المنان )
بين العشر وساعة من نهار ( وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ ) هل تبقى يوم القيامة فيمكن التستر بها عن الصور القبيحة ( فَقُلْ يَنْسِفُها ) أي يجعلها رملا ( رَبِّي ) الذي رباني بأن جعلني أقوى من الجبال في ذلك اليوم ( نَسْفاً ) كليا بحيث لم يبق فيه شئ صلب ثم يسلط عليها الرياح ( فَيَذَرُها ) أي يترك أرضها ( قاعاً ) أي مستويا ( صَفْصَفاً ) أي أملس ( لا تَرى فِيها عِوَجاً ) معنويا يدركه المهندس فضلا عن المحسوس ( وَلا أَمْتاً ) أي نتوأ وكمالا يستتر يومئذ بالجبال ولا باعوجاج الأرض ونتوءها لا يستتر بالتباعد لاجتماع الناس في طريق المحشر أو بالمحشر أما الاوّل فلانهم ( يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ ) أي يجيبون إسرافيل إذ يدعوهم إلى المحشر قائما على صخرة بيت المقدس فينقلبون من كل أوب إلى صوبه ( لا عِوَجَ لَهُ ) أي لاتباعهم يمينا وشمالا إذ لا موجب للعدول من الجبال ونحوه ( وَ ) لا يشغل عن رؤية تلك الصور سماع أصوات الناس فإنه ( خَشَعَتِ ) أي خفتت ( الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ ) فإنه وان ظهر للمؤمنين برحمته فهم مستغرقون في هيبته وإذا لم تسمع من أهل الرحمة ( فَلا تَسْمَعُ ) من غيرهم ( إِلَّا هَمْساً ) اى ذكرا خفيا ولا ترتفع تلك الصورة بالشفاعة لأنه ( يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ ) بعض الشفعاء ان يشفع ( لَهُ الرَّحْمنُ ) بأن يفيض عليه نور الرحمة ليفيضها على المشفوع ( وَرَضِيَ ) ان يشفع ( لَهُ قَوْلًا ) وانما احتيج إلى الاذن لان الشفيع لا يعلم مبدأ المعصية من قصد الاستهانة بأمر اللّه أو اتباع الشهوات ولا منتهاها من الجراءة على اللّه أو الندم على مخالفته واللّه تعالى ( يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ ) فمن علمه استهان بأمره وبقي مجترئا عليه لم يأذن بالشفاعة في حقه والا ربما أذن ( وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً ) فلا يعلمون ما في علمه من الاستعدادات ( وَ ) كيف يشفع أحد عنده بدون اذنه مع أنه ( عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ) اى صارت الوجوه ذليلة لظهوره بصفة الحياة والقيومية الدالة على أن كل ما عداه ميت بل معدوم هذا في حق أهل العدل ( وَقَدْ خابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً ) لكن ( وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ) فإنه وان حمل ظلما ( فَلا يَخافُ ظُلْماً ) بنزع ثواب العمل ( وَلا هَضْماً ) بنقصه ( وَ ) ليست هذه الآيات لمجرد التخويف لأنه ( كَذلِكَ أَنْزَلْناهُ ) اى جميع الكتاب ولا يتصوّر في حق اللّه تعالى انزال كتاب أكثره كاذب ( 3 ) ولا يحمل على تأويل المحسوس بالمعقول لكونه ( قُرْآناً عَرَبِيًّا ) ليفهمه أهل العربية والحمل على التأويل مانع لهم عن الفهم ( وَ ) لا يتأتى التأويل في جميعها إذ ( صَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ ) بعبارات مختلفة يبعد حمل جميعها على التأويل لو أمكن على أنه لو أمكن فهو مخل بالمقصود من الانزال لأنه انما أنزله ( لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) المعاصي فيتركونها بالكلية ( أَوْ يُحْدِثُ ) الوعيد ( لَهُمْ ذِكْراً ) بقبح عواقب المعاصي فيدعوهم إلى التوبة وكيف يكون وعيدا مجردا وهو يستلزم مخالفة الحكمة ( فَتَعالَى اللَّهُ ) الجامع للكمالات عن مخالفتها على أنه ( الْمَلِكُ ) الذي لا بدّ له من جود وسياسة ولا يكونان بالعكس لأنه ( الْحَقُّ وَ ) قد ظهر بهذا التعالى والملكية والحقية في هذا القرآن لمن لم يستعجل لذلك قيل لا صفى الناس في اصفى الأوقات ( لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ